القصة بقلم: آثار أبو سمرة
The MENA Archival Lab :ترجمة و تحرير
حين يصبح الجهل قسريا: جيل بلا دفاتر، طفولة بلا أقلام
بينما تستعد مدارس العالم لاستقبال طلابها لعام دراسي جديد وتودع دفعه جديدة لبدء مرحلة الجامعية، تغيب أجراس المدارس في غزة للسنة الثانية على التوالي. يحرم الالاف في غزة من حقهم في التعليم في وقت ما تزال فيه المدينة تحت الركام. المقاعد خاوية، الطلاب مشتتون بين النزوح والمجهول، الفصول الدراسية تلاشت ملامحها. اندلعت الحرب في أكتوبر 2023، فشلّت المنظومة التعليمية في غزة بالكامل. الحضانات دمرت، الجامعات أقفلت، بعض المدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما خرجت أخرى عن الخدمة بسبب القصف أو التهجير.. وفي ظل غياب البنية التحتية، واستمرار القصف والنزوح، لم تعد هناك بيئة تعليمية آمنة ولا خطة واضحة للعودة لمقاعد الدراسة. التعليم، الذي كان ذات يوم نافذة نحو الأمل، بات رفاهية بعيدة المنال في ظل كارثة إنسانية مستمرة.
عامان من الحرب، وتعليم تحت الانقاض
فيما يستعد طلاب العالم لبدء عامي دراسي جديد، يبقى أكثر من 600,000 طالب وطالبة في معزل عن مقاعد الدراسة للعام الثاني على التوالي.في وقتٍ كان طلاب العالم يحتفلون بالنجاح، جلس طلاب غزة على ركام غرفهم الصفية أو فوق أنقاض بيوتهم، يفكرون بالامتحانات ويتأملون لحظة العبور نحو المستقبل الجامعي التي لطالما حلمو فيها، والتي لم تعد قريبة المنال .
“في يوم الامتحان، كل طلاب العالم قدّموا امتحاناتهم… وإحنا في الخيمة، شعرت كأننا مش من هالعالم كأنه مستقبلنا انتهى.”
بهذه الكلمات وصفت طالبة غزية شعور جيل بأكملة، كان ينتظر لحظة التخرج، فوجد نفسه محاصرا بين الانقاض والخوف، وبلا شهادات، ومستقبل واضح.
في الوقت الذي كان فيه طلاب العالم يلتقطون صور النجاح، كان الطلاب الغزيين يحاولون جاهدين إنقاذ ما تبقى من صفحات كتبهم من تحت الركام. في قطاع أصبح فيه انهاء التعليم أقرب للحلم من الواقع، لا يزال طلاب التوجيهي يراجعون نفس المنهاج الذي لم يُختبروا فيه العام الماضي. يراجعون ذات الصفحات، يكرّرون نفس الدروس، في أمل منهم للحصول على فرصة قد لا تأتي.
تقول طالبة أخرى:
“أنا من الطلاب اللي كان المفروض ينجحوا هالسنة، وأصير طالبة جامعية… بس الحرب ما خلتنا نعيش أي لحظة من لحظات النجاح والفرح.”
القصف مستمر، المدارس مدمّرة أو تحولت الى ملاجئ، مئات الطلبة أصبحت فقط أرقاما في قوائم الشهداء، والآف آخرون موزّعون بين مخيمات النزوح، أو في دول مجاورة بلا أوراق، بلا حقائب، بلا استقرار، هكذا تمضي الأيام، وتتلاشى ملامح النجاح شيئا فشيئا.
ورغم ذلك، لا يزال الطلبه يحاول الطلبة التشبث ببصيص أمل هشّ، يحفظون دروسهم فوق أسطح منازلهم المتصدعة، أو في خيم لا تقيهم حر الشمس ولا برود الشتاء. يدرسون على ضوء الهاتف، أو ينسخون كتبًا ضاعت منهم في طريق النزوح.
التعليم، الذي لطالما كان بارقة أمل وسط ظلام الحصار وأداة للبقاء، بات اليوم عبئًا نفسيًا يزيد من وطأة الصدمة كلما مضت الأيام. الصدمات الجماعية التي يعيشها هؤلاء الطلبة لا تقتصر على فَقْد المكان أو الزمان، بل تمتد إلى الشعور بأنهم غير مرئيين، غير محسوبين، وكأنهم ليسوا جزءًا من هذا العالم. وبينما تنشر صور حفلات التخرج في مدن أخرى، يبقى طلبة غزة في حالة انتظار دائم، معلّقين بين الماضي الذي لم يُنجز، والمستقبل الذي لا يأتي.
التعليم الرقمي لم يكن أكثر من وهم مؤقت .ومع أن التعليم عن بُعدكان حلًا مؤقتًا في أوقات الأزمات في دولٍ أخرى، الا أنه في غزة، لم يكن خيارًا من الأساس. آلاف الطلبة فقدوا أجهزتهم، الكهرباء شحيحة، الإنترنت شبه معدوم، والبيئة في مراكز الإيواء لا تصلح للتعلّم، حتى أن النازحون بالكاد يملكون مساحة للجلوس، فكيف بالتعليم؟

الجامعات صامتة… ومقاعدها خاوية
حال الجامعات لا يختلف كثيرًا عن حال المدارس المحاضرات توقفت، والمباني تهدمت والطلبة إما شهداء، نازحون أو في حالة نفسية لا تسمح بمتابعة التعليم حتى وإن كان ذلك ممكنا. والوثائق الأكاديمية ضاعت في النزوح وبين الركام. لم تعد هناك منظومة واضحة ولا مستقبل أكاديمي مضمون
ألم مستتر: الصدمة النفسية كخيال دائم
خلف كل طالب حُرم من حق التعليم، جرح كامن وصدمة تنمو بصمت، لا تلتقطها عدسات الكاميرات ولا تدون في نشرات الأخبار.
مع غياب المدرسة، لا يفقد الطلبة فقط التعليم والثقافة وانما يشعرون بأنهم في معزل عن العالم، بلا قيمة، بلا صوت، وكأنهم غير مرئيين. فالتعليم لم يكن مجرد وسيلة لاكتساب للمعرفة، بل شريان كرامة، وشعور بالانتماء للمستقبل الذين يستحقونه
.في غزة، الصدمة التعليمية لم تعد حدثًا عابرًا، بل أصبحت نمط حياة.
من الحروف إلى الخيام: حكاية أمية قسرية
في خيام النزوح، يكبر الأطفال في عزلة تامة عن أبسط مقومات الطفولة والتعليم. لا روضات، لا قصص، لا دفاتر، ولا حتى مساحة آمنة للتعلّم. جيل بأكمله يُنتزع من الأبجدية قبل أن ينطق بها، ويتجه قسرًا نحو الأمية.

تقول أم نازحة:
“ابني بلغ الخامسة ولا يعرف الحروف. لا ألعاب، لا معلمات، لا حتى فرصة ليحفظ اسمه.”
هذا الغياب ليس مؤقتًا، بل أصبح واقعًا متكررًا. تشير شهادات الأمهات إلى أن كثيرًا من الأطفال يعانون من تأخر في النطق، وخلل في المهارات السلوكية والاجتماعية، نتيجة العزلة، انقطاع التعليم، وانعدام الاستقرار النفسي والبيئي.
ليست هذه مجرّد أزمة تعليم، بل كارثة وجودية. ما يُفقد اليوم ليس فقط الحروف والكلمات، بل القدرة على التعبير، على الفهم، على التخيّل. إنها أمية قسرية تُصنع في الخيام، وتُهدد بأن تخلق جيلًا بأكمله بلا أدوات للعيش الكريم ولا لغة للحلم.
جيل يُدفَع إلى الأمية لا باختياره، بل تحت ركام الحروب، وبلا فرصة لتعلُّم اسمه، كيف سيبني مستقبله؟

من الحصار الخارجي… إلى الحصار
حين يجوع الجسد، ويمنع التعليم، يحاصر العقل. المأساه في غزة لا تتعلق فقط بتدمير المدارس، بل بتدمير المدارس النفسية التي تجعل الانسان يشعر بقسمتة، بمكانه، وبحقة في أن يكون.
كيف يمكن لطفل أن يحفظ جدول الضرب وهو جائع؟
كيف لفتاة أن تذاكر دروسها وسط القصف؟
كيف يمكن لفتى حل معادلة رياضية بينما يبحث عن ماء نقي لعائلته؟
كيف يمكن لأي شخص أن يفكر في التعليم في وقت فقد فيه عائلته؟
غزة تختنق… والعالم يلتزم الصمت
ما يحدث في غزة ليس فقط حربًا، بل انهيارًا كاملًا للنظام الإنساني.الأطفال لم يدخلوا فصلاً دراسيًا منذ عامين
…الآباء يدفنون أبناءهم بدلًا من الاحتفال بتخرجهم
…والأمهات يُعدن أطفالهن للنزوح، لا للمدرسة
نداء غزة: التعليم حق لا حلم
بينما يبدأ العام الدراسي في العالم، تُقابله غزة بالصمت، بالحزن، وبالدمع الذي لا يجف.
:أقلام طلاب غزة لا تكتب دروسًا، بل نداءات
“لا تنسونا.”
“نريد أن نعيش، نتعلم، نحلم.”
“أعيدوا إلينا مدارسنا، دفاترنا، وأحلامنا.”
هذه ليست فقط أزمة تعليمية، بل كارثة وجودية.جيل بأكمله مهدد بالضياع، ليس لأنه فشل… بل لأن العالم تركه دون فرصة
.السكوت لم يعد محايدًا، بل شريكًا في جريمة محو جيل بأكمله من السجلات التعليمية والإنسانية
.أنقذوا التعليم في غزة… فالمستقبل يبدأ من كلمة والكلمة تألف من الكتاب
